اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة هاني علي الرضا
قوله سبحانه وتعالى : { وأتموا الحج والعمرة لله }
هل يدل على وجوب العمرة لعطفها على الحج وهو واجب مع الأمر باتمامهما لما أن المعطوف يأخذ حكم المعطوف عليه مع اشتراكهما في الأمر ( أتموا) والامر يحمل على الوجوب ؟؟
|
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
[وأتموا الحج والعمرة لله]: أمر من الله تعالى للمؤمنين بأن يُتِمُّوا الحج والعمرة، واختلف المفسرون في معنى الإتمام على أقوال(1)، أهمها قولان :
1.أن الآية ليست بياناً لوجوب أصل الحجّ والعمرة، وإنما هي أمر بالإتمام على مَن شرع فيهما، وهذا ما عليه جمهور المفسرين(2) .
2.أن الآية بيان لوجوب أصل الحجّ والعمرة، فهي أمر بالوجوب ابتداءً على نعت الكمال والتمام، أي أن يأتوا بهما تامّين كاملين بمناسكهما وشرائطهما، وقد قال بهذا القول الإمام الرازي(3) .
والراجح ما عليه الجمهور؛ لأن الظروف التي أحاطت بنزول الآية تؤيد أن المقصودَ الإتمامُ بعد الشروع في العمل، فقد جاءت الآية لترشدهم إلى كيفية الخروج من الوضع الذي قد تلبسوا فيه، وهو الإحرام؛ وذلك لأن المسلمين صُدُّوا عن البيت بعد أن أحرموا، والإحرام شروع في أعمال الحج والعمرة، فتضمنت الآية أمراً عاماً بوجوب إتمام الحج والعمرة على من شرع فيهما، ثم بينت المخرج لمن طرأ له مانع يمنعه من الإتمام، قال أبو السعود: "[وأتموا الحج والعمرة لله]: بيان لوجوب إتمام أفعالهما عند التصدي لأدائهما، وإرشاد الناس إلى تدارك ما عسى يعتريهم من العوارض المُخِلَّة بذلك من الإحصار ونحوه، من غير تعرّضٍ لحالهما أنفسهما من الوجوب وعدمه، كما في قوله تعالى: [ثم أتموا الصيام إلى الليل] [البقرة :187]، فإنه بيان لوجوب مدّ الصيام إلى الليل من غير تعرّضٍ لوجوب أصله، وإنما هو بقوله تعالى: [كتب عليكم الصيام] [البقرة :183]، كما أن وجوب الحج بقوله تعالى: [ولله على الناس حج البيت] [آل عمران :97]، فإن الأمر بإتمام فعل من الأفعال ليس أمراً بأصله ولا مستلزماً له أصلاً، فليس فيه دليل على وجوب العمرة قطعاً(4)، … فالمعنى: أكملوا أركانهما وشرائطهما وسائر أفعالهما المعروفة شرعاً لوجه الله تعالى من غير إخلال منكم بشيء منها .."(5) .
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
وإيثار التعبير بـ(أتموا) دون (أكملوا) يؤيد ما عليه الجمهور، بالإضافة إلى ما يُظهره من إعجاز القرآن الكريم بانتقاء ألفاظه، ذلك أن الإتمام يختلف عن الإكمال، فبينهما فرق دقيق، وقد بيّن أبو هلال العسكري الفرق بين التمام والكمال، فقال: إن الكمالَ اسمٌ لاجتماع أبعاض الموصوف به، والتمامَ اسمٌ للجزء والبعض الذي يتمّ به الموصوف بأنه تام، ولهذا قال أصحاب النظم: القافية تمام البيت، ولا يقال: كمال البيت، ويقولون: البيت بكماله، أي: باجتماعه، والبيت بتمامه، أي: بقافيته، ويقال: هذا تمام حقِّك، للبعض الذي يتم به الحق، ولا يقال: كمال حقك(6).
إذن، التمام اسم للجزء الذي يتم به الشيء، وإذا تمّ وُصف بأنه كامل، فالتمام لنفي النقص من الأصل، والكمال لنفي العيب بعد تمام الأصل، ففيه معنى زائد على التمام، ولعل الفعل (أتموا) بهذا المعنى يرجح ما ذهب إليه جمهور المفسرين من أن المقصود بالإتمام هنا: الإتمام بعد الشروع؛ لأن المعنى: ائتوا بالجزء الذي يُتِمّ الحج والعمرة، وهذا ـ بلا شك ـ تتقدمه أجزاء أخرى .
وقد بيّن الطباطبائي الفرقَ بين التمام والكمال، وسرَّ التعبير بالإتمام في الآية الكريمة، فقال: "تمام الشيء هو الجزء الذي بانضمامه إلى ساير أجزاء الشيء يكون الشيء هو هو، ويترتب عليه آثاره المطلوبة منه، فالإتمام هو ضمّ تمام الشيء إليه بعد الشروع في بعض أجزائه، والكمال هو حال أو وصف أو أمر، إذا وجده الشيء ترتب عليه من الأثر بعد تمامه ما لا يترتب عليه لولا الكمال، فانضمام أجزاء الإنسان بعضِها إلى بعض هو تمامه، وكونه إنساناً عالماً أو شجاعاً أو عفيفاً ..كماله، وربما يستعمل التمام مقام الكمال بالاستعارة بدعوى كون الوصف الزايد على الشيء داخلاً فيه اهتماماً بأمره وشأنه، والمراد بإتمام الحج والعمرة هو المعنى الأول الحقيقي، والدليل عليه قوله تعالى بعده:[فإنْ أُحصرتم فما استيسر من الهدي]، فإن ذلك تفريع على التمام بمعنى إيصال العمل إلى آخر أجزائه، وضمه إلى أجزائه المأتي بها بعد الشروع، ولا معنى يصح تفريعه على الإتمام بمعنى الإكمال، وهو ظاهر"(7) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) من هذه الأقوال : التمام ظاهراً بأداء المناسك على وجهها، وباطناً بالإخلاص لله تعالى وحده، أو التمام أن تفردوا لكلٍ من الحجّ والعمرة سفراً، أو أن تخلصوهما للعبادة لا تشوبوهما بشيء من الأغراض الدنيوية، أو أن تجعلوا نفقتهما حلالاً... للتوسع، ينظر: الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، (248:2،252)، وابن العربي، أحكام القرآن، (165:1)، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، (343:2) وابن كثير، تفسير القرآن العظيم، (237:1).
(2) ينظر ـ مثلاً ـ : الطبري، جامع البيان، (252:2)، والألوسي، روح المعاني، (475:1)، وسيد قطب، في ظلال القرآن، (279:1)، وابن عاشور، التحرير والتنوير، (217:2).
(3) الرازي، التفسير الكبير، (296:2).
(4) في وجوب العمرة خلاف فقهي، للتوسع ينظر : القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، (368:2) .
(5) تفسير أبي السعود، (206:1) .
(6) (باختصار)، أبو هلال العسكري، الفروق اللغوية، ص(294)، وذكر السيوطي في (الإتقان في علوم القرآن) كلاماً قريباً من كلام العسكري، ينظر: ص(415) .
(7) الطباطبائي، الميزان، (75:2) .